صوت الحياة

في ازدحام الأحداث وضجة الحياة وازدياد المسؤوليات تجد نفسك ضيق الصدر مهموما ، يتقلدكَ الكَدر والقلق، وتشحُ أوقاتكَ بالصفاء والابتسامة ، إنه حثيث الحياة المتسارع ، ذلك الذي يسرق منا لحظات التأمل ..
التأمل هو التفكير المتروي في أمر ما ، وإمعان الفكر في صورةٍ أو موقفٍ أو شخص..والتأمل يستجلب الأفكار القريبة والبعيدة ، نقارن به ونسدد ونقارب ..
التأمل هو حديث النفس الصامتة التي تترفع عن التسرع وإبداء الآراء دون تفكير وتحليل ، وهي صفة محمودة العواقب لكل ذي لب ساع للفضائل، ولك في تأمل الآيات والأحاديث والأشعار والحكم أفق واسع وفائدة عظمى ، فالتأمل جزء لا يتجزأ من العبادات والتي يٌُطلق عليها العبادات القلبية أو الأعمال الباطنة ، وأنت حين تمعن في هذا كله فإنك تعطي لأفكارك متسعا ونضجا عقليا راقيا ، فالتأمل بوابة الارتقاء الإيماني ومعين على إدراك روعة الخالق وعظيم إحسانه ، فينطلق اللسان بالذكر في السر والعلن ..
ومَن يحرص على التأمل في حياته يستطيع أن يقود نفسه إلى الهدوء وإلى التخلص من رواسب الأحداث اليومية فيمنح نفسه شيئا من راحة البال ويعطيها الفرصة لتذكر النعم والمآثر التي لا زال يملكها ، ويتفكر في الناس الذين يحبونه ، فيكون بذلك إنسانا راضيا شاكرا لأنعم الله عليه..
إن المواظبة على التأمل البنّاء يعين المرء ليصل إلى مدارج الحكماء ، ناهيك عن القدرة على استشفاف الحقائق والوصول إلى عمقها واستشراف تبعاتها ببصيرة وفِراسة ، فالأحداث لا تمر على المتأمل دون تمحيص ومراقبة ، فيتعلم منها ويستخلص العبر مضيفا لنفسه صفة حميدة أو فكرة جديدة..
والجميل في التأمل أنه الصفة الملازمة لكل مبدع ومفكر ومخترع ، فالتأمل يساعدك على سبر أغوار نفسك واكتشاف ما يميزها لتخرجه للآخرين في قالب ماتع للعين والقلب وبذلك تكون قد تركت بصمة جميلة في من حولك تدل عليك.
وهو كذلك مرآة ذاتك ، فرغم كل شيء أنت محتاج للمحاسبة الذاتية ، ولا يتأتى ذلك إلا بالاختلاء بنفسك ومراجعة أعمالك ومقارنتها مع ما سبق ومع أهدافك وطموحك .
وهذه القيمة العالية للتأمل تشعرك بمدى ضرورته ، وعظم فائدته ، وقد يقول قائل : إن مشاغل الحياة تحول دون ممارسة التأمل ، وأقول: إن التأمل ممكن في أي وقت وأي مكان ، توفر الهدوء وجمال الصورة عامل مهم ، لكنك بالدربة تستطيع أن تتأمل في كل حال ، تعمد أن تدرب نفسك على أن تكون حاضر القلب والفكر وأن تقلل من كلامك ما استطعت وتكثر من الإنصات وترهف السمع لصوت الحياة واستخلاص العبر.
قُد أفكارك للمعالي وجانب السوء في ذلك ، تخير لتأملك رحلة متفائلة وابتعد عن الأفكار السيئة التي لا تثريك ولا تسبب لك سوى القلق ، اضبط اتجاه أفكارك نحو الخير وحسن الظن ، تفحص أفكارك وأعد تنظيمها ، ولابأس أن تتخذ في ذلك سبلا متنوعة كأن تعقد مع نفسك اجتماعا صباحيا وليكن بعد صلاة الفجر ، ولا بأس من الاطمئنان بين الفينة والأخرى ..
وتذكر بقدر ما تعطي نفسك من اهتمام ستجده منها .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

جميع الحقوق محفوظة 2015 خالد عصام الدين للمعلوميات ©